عماد الدين خليل

135

دراسة في السيرة

وقال صلى اللّه عليه وسلم وهو يمزج خطي التربية العسكرية المتوازيين : التوجيه والتدريب والأمل بالنصر أو الجنة ، وتقديم الجهد في ساحة القتال أو في الخطوط الخلفية صنعا للسلاح أو إمدادا به ( إن اللّه عزّ وجلّ ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر ، الجنة . . صانعه يحتسبه في عمل الخير والرامي به ومنبله ) وشاهد رجل في أطراف المدينة عقبة بن عامر يحمل السلاح ويمارس التهديف راكضا من مكان إلى مكان فسأله ( تختلف بين هذين الموضعين وأنت شيخ كبير ؟ ) أجابه الشيخ : ( سمعته يقول : من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا ) بهذه اللهجة الحاسمة ( ليس منا ) ! ذلك أن الذي لا يعرف السلاح ابتداء والذي يعرفه حينا من الوقت ثم ينساه سواء . . على العكس أن هؤلاء الذين يذهبون إلى سوح القتال وهم يحملون سلاحا لا يعرفون كيف يضربون به ، سرعان ما يتعرضون للارتباك والرعب فتحصد رؤوسهم ويكونون كارثة على رفاقهم الذين يشل الموقف قدرتهم على استخدام السلاح . بهذه الإجراآت الأربع وضع القرآن والرسول صلى اللّه عليه وسلم القواعد الأولى لدولة الإسلام في المدينة ، وأخذت التشريعات المنبثقة عن هذين المصدرين تنمو وتتسع يوما بعد يوم ، لا بطرائق نظرية تجريدية منفصلة عن الحياة والواقع وإنما وفق نفس الأسلوب الذي كانت الآيات المكية تتنزل فيه لكي تبني العقيدة في أذهان ونفوس الإنسان والجماعة المسلمة ، وهو أسلوب يرتبط ارتباطا عضويا حيويا بالواقع الحركي والتجربة الحية المعاشة ، ومن ثم تجيء معطياته أشد التصاقا بحركة المسلمين ونمو دولتهم ، وأكثر التحاما بتجربتهم المحسوسة وواقعهم المعاش ، وأعمق فهما وإدراكا لمتطلباتها وأبعادها القانونية والسلوكية ، نظرا لمواكبتها لمشاكلهم وتجاربهم اليومية ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم . لقد بدأت مرحلة بناء الدولة الإسلامية ( العقائدية ) في أعقاب الهجرة ، حيث كانت المرحلة السابقة ، مرحلة بناء الإنسان المسلم والجماعة المسلمة ، قد اكتسبت ملامحها الأساسية في العصر المكي وغدا المسلمون أفرادا وجماعات على استعداد نفسي وذهني كاملين لتقبل ما سيجيء من تشريعات وما سيفرض من تنظيمات ويوضع من حدود ويرسم من علاقات ، بعد أن هيأهم النضج العقيدي